محمد سعيد رمضان البوطي
73
فقه السيرة ( البوطي )
وكان رد الفعل من قريش أمام جهره بالدعوة ، أن أدبروا عنه وتنكروا لدعوته معتذرين بأنهم لا يستطيعون أن يتركوا الدين الذي ورثوه عن آبائهم وأصبح من تقاليد حياتهم ، وحينئذ نبههم الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى ضرورة تحرير أفكارهم وعقولهم من عبودية الاتّباع والتقليد ، واستعمال العقل والمنطق ، وأوضح لهم أن آلهتهم التي يعكفون على عبادتها لا تفيدهم أو تضرهم شيئا ، وأن توارث آبائهم وأجدادهم لعبادتها ليس عذرا في اتباعهم بدون دافع إلا دافع التقليد ، كما قال عز وجل في حقهم : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 104 ) [ المائدة : 104 ] . فلما عاب آلهتهم ، وسفه أحلامهم ، وجرّ اعتذارهم عن تمسكهم بعبادة الأصنام بأنها تقاليد آبائهم وأجدادهم إلى وصف آبائهم بعدم العقل ، أعظموا الأمر ، وناكروه ، وأجمعوا خلافه وعدوانه ، إلا من عصم اللّه تعالى منهم بالإسلام ، وإلّا عمه أبا طالب الذي حدب عليه ، ومنعه ، وقام دونه . العبر والعظات : في هذا المقطع من سيرته عليه الصلاة والسلام دلالات ثلاث نجملها فيما يلي : أولا : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حينما صدع بالدعوة إلى الإسلام في قريش وعامة العرب ، فاجأهم بما لم يكونوا يتوقعونه أو يألفونه ، تجد ذلك واضحا في رد أبي لهب عليه ، ثم في اتفاق معظم المشركين من زعماء قريش على معاداته ومقاومته . وفي ذلك الردّ القاطع على من يحاولون تصوير هذا الدين بشرعته وأحكامه ، ثمرة من ثمار القومية ويدعون أن محمدا عليه الصلاة والسلام ، إنما كان يمثل بدعوته التي دعا إليها آمال العرب ومطامحهم في ذلك الحين . وليس الباحث بحاجة إلى أن يتعب نفسه بأي رد أو مناقشة لهذه الدعوى المضحكة عندما يطلع على سيرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فالذين يروجون لها بين الناس هم أول من يعلم سخفها وبطلانها ، ولكنها على كل حال دعوى لا بد منها في نظرهم من أجل إزاحة الدين وسلطانه عن سبيل المبادئ والأفكار الأخرى ، فليس المهم أن تكون الدعوى صحيحة حتى يمكن الترويج لها ، ولكن المهم أن تكون مصلحتهم وأغراضهم تتطلب ترويج ذلك وادعاءه ، ولعلك لم تنس ما ذكرناه مفصلا في المقدمة الخامسة بصدد هذا الموضوع . ثانيا : كان من الممكن أن لا يأمر اللّه رسوله بإنذار عشيرته وذوي قرباه خاصة ،